– ترخيص تجارة الحشيش: الدرس الأميركي

ميشيل هنري – (ليبراسيون)
 ترجمة: مدني قصري
هل جنّ جنون الولايات المتحدة؟ فمنذ أربعين عاما والبلاد تشن “حرباً شرسة” على المخدرات، داخل وخارج حدودها. والآن، نُفاجأ في يوم 6 تشرين الثاني (نوفمبر) بمصادقة ولايتين من ولاياتها، عن طريق التصويت، على تجارة الحشيش. ويمكننا أن نرى منذ بداية العام 2014، محلات لبيع الماريجوانا في ولايتي كولورادو وواشنطن. إنه العالم يمشي بالمقلوب، حيث أعظم شرطي لمكافحة المخدرات في العالم تغزوه اليوم المخدرات من الداخل. 
ولكن، هل يحتاج منّا فهْم هذه الثورة إلى جهد كبير؟ كلا. لأن بوسعنا أن نفهم هذه الثورة بأسبابها البراغماتية: إن حظْر الحشيش غير فعال ومُكلف، ولم يقلل أو يحد من استهلاكه، مثلما لم يفد شيئا حظْر الكحول في عشرينيات القرن الماضي، ناهيك عن أن الحظر يخلق من المشاكل أكثر مما يحل. ثم إن المصادقة على تجارة الحشيش توفر للدولة ملايين الدولارات من عوائد الضرائب، وتوفر القدر ذاته من الأموال من حيث الرسوم القضائية ورسوم الشرطة. هذه هي الحجج التي استطاعت، على الرغم من خطر زيادة الاستهلاك، أن تقنع الناخبين بالموافقة على الترخيص بأغلبية كبيرة. فبنسبة 55 % في واشنطن، و53 ٪ في ولاية كولورادو، اعتمد هؤلاء الناخبون المصادقة على استخدام الحشيش لأغراض الاستعمال “الترفيهي” لمن يتجاوز عمرُه 21 عاماً.
فهل هي بداية ثورة في التاريخ؟ ليس بالضرورة، لأن بإمكان الحكومة الاتحادية أن تمنع توسيع هذه المناورة. وفي هذا الشأن، يواجه الرئيس باراك أوباما الآن معضلة كبيرة: إما التصدي لمحاربة تشريع قانوني مناف للقانون، وإما غض الطرف، خوفا من السير في الاتجاه المعاكس للتصويت الشعبي. لكن أمام أوباما وقتا للتفكير والتأمل، حيث تحتاج الولايات المتحدة إلى سنة كاملة لتحديد القواعد المعقدة لهذه التجارة. لكنّ تدابير أخرى اعتمدت في الأسبوع الماضي، ويمكن أن تصبح قابلة للتطبيق في غضون بضعة أسابيع، مثل إسقاط التهم الموجهة لأي مستهلك يحمل معه أقل من 28 غراما من الحشيش، أو أقل من ستة أقدام من هذا العشب.
وقد تتسامح الحكومة الاتحادية مع إجراءات إلغاء تجريم استعمال الحشيش هذه، السارية في بعض أجزاء الولايات المتحدة. لكن ما يتعلق ببيع الماريجوانا في محلات خاصة، بموجب ترخيص من الدولة، يشكل مسألة مختلفة لأن هذا النظام غير موجود في أي مكان. ففي هولندا، البلد الأكثر تقدما في هذا المجال، تبيع المقاهي “الكوفي شوب” المفتوحة منذ ما يقرب من أربعين عاما، 5 غرامات من الحشيش كحد أقصى لكل عميل، ولكنّ الأمر يظل مجرد تسامح مع هذه المحلات لا أكثر. ويقع مستأجرو هذه المحلات تحت طائلة القانون عند شرائهم لهذه المادة من السوق السوداء: وقد صوّت البرلمان الهولندي مرتين على مشروعية الإنتاج، لكن الحكومة لم تجرؤ يوما على تنفيذ هذا القانون، في حين أن الولايتين الأميركيتين المذكورتين تقترحان اليوم المضي قدما في هذا الشأن. وهناك من يحذو حذوهما: إذ تناقش الأوروغواي حاليا مشروع وضع تشريع للبيع القانوني للماريجوانا، بغرض كسر الاتجار غير المشروع، والعنف الذي يؤدي إليه هذا الاتجار. 
وفي انتظار ظهور حانات الحشيش، تدير الولايات المتحدة الأميركية وضعية متناقضة للغاية بقبضة من حديد، لأن البلد يظل، على المستوى الفدرالي، واحدا من أكثر البلدان قمعية: إن مئات الآلاف من الناس يودَعون كل عام في السجون بسبب جرائم بسيطة تتعلق بالمخدرات. وفي خارج حدود أميركا، ما تزال “الحرب على المخدرات” مستمرة حتى الآن، وقد بددت نحو تريليون دولار في أربعين عاما، وهي تهدد استقرار البلدان المستهدفة، وتسببت في حدوث كوارث بيئية، وكلفت الكثير من الأرواح. وقد رأى الرئيس باراك أوباما في حروب المخدرات هذه “فشلا ذريعا” في العام 2004. وعندما أصبح رئيسا للبلاد، لم يعمد إلى إعادة النظر فيها. 
لكنّ موقفه يتغير الآن: ففي شهر نيسان (أبريل)، في قمة الأميركتين، اعترف بأنه “إذا لم تكن المصادقة على إباحة بيع المخدرات خيارا”، فإنه “على استعداد للنظر في بدائل”، متحدثاً في هذا الشأن عن الوقاية والعلاج، بدلا من السجن المنهجي. ومن جهته، لم يُدْلِ وزير العدل، إريك هولدر، على الرغم من الضغوط التي يتعرض لها بأي بيان في هذا الشأن قبل الاستفتاءات حول شجب المبادرات المطروحة في ولايتي كولورادو وواشنطن. ويرى بعض المراقبين في ذلك تراجعا وتسامحا متزايدين. ففي ماساشوستس تبيح 18 ولاية في الوقت الحالي تعاطي الحشيش لأغراض علاجية. وهو ما يُولد رواجا ضخما لتجارة الحشيش، ولا سيما في ولاية كاليفورنيا، حيث يتم تحويل الوصفات الطبية إلى استخدامات ترفيهية. وبذلك، فإن الحكومة الاتحادية تحارب هذا التوجه، مع التسامح فيه في الوقت نفسه. ثم، وبالإضافة إلى ذلك، وإذا كانت التجارة بغرض الاستعمال “الترفيهي” قد انطلقت في ولايتين، فإنه سيكون من المستحيل التراجع عنها، وسوف يصبح للأمر بُعدٌ عالمي بعد ذلك لا محالة.
لكن، ما الذي تفعله فرنسا في هذه الأثناء؟ إنها تفعل كما تفعل النعامة في العادة. فكلما تجرأ رجلٌ سياسي بطرح حقيقة من الحقائق، كما فعل السيد فنسين بيلون (من الحزب الاشتراكي)، مُذكرا بأن تجريم استعمال الحشيش غير فعال، كلما تحالف معسكرُه مع المعسكر المقابل حتى يُسكتوه. وعليه، ومن خلال إصدار أحكامها الجاهزة وأوهامها، تجعل فرنسا، مع استثناءات قليلة، من ممارسة الظلامية سياستَها الوحيدة، في شبه إجماع مخيف. وليس هذا الاستثناء الفرنسي في صالحنا. وثمة الآن، أكثر من أي وقت مضى، حاجة ملحة إلى فتح نقاش جاد في هذا الشأن.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Cannabis: la leçon américaine
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s