“كل هذا بسبب سيجارة حشيش”

منذ ربع قرن تقريبا، فرضت قوانين المخدرات في تونس عقوبات سجنية مطولة على جرائم المخدرات، ما أدى إلى

القانون عدد 52ـ92 المتعلق بالمخدرات (القانون 52)، الذي تم تبنيه في 1992، يُلزم المحاكم بفرض عقوبة الزامية بالسجن لمدة لا تقل عن سنة على كل من يُدان باستخدام أو حيازة مخدر غير قانوني، بما يشمل القنب الهندي (ماريجوانا) او الحشيش. كما يفرض عقوبة بالسجن 5 سنوات على من يعاود ذات الجريمة. في كلتا الحالتين، لا يتمتع القضاة بسلطة تقديرية تسمح لهم بتخفيف العقوبة على ضوء ظروف التخفيف. حتى في القضايا المتعلقة بحيازة قطعة صغيرة واحدة، لا يستطيع القضاة فرض عقوبات بديلة، مثل الخدمات الاجتماعية وغيرها من العقوبات الإدارية.

حتى ديسمبر/كانون الأول 2015 بلغ عدد الأشخاص الذين حوكموا بجرائم تتعلق بالمخدرات القابعين في السجون التونسية 7451 شخصا، منهم 7306 رجلا و145 امرأة، بحسب الإدارة العامة للسجون والإصلاح التابعة لوزارة العدل. أدين حوالي 70 بالمائة من هؤلاء ـ 5200 شخصا تقريبا ـ باستهلاك أو حيازة مادة القنب الهندي او الحشيش، المعروفة في تونس بـ “الزطلة”. 28 بالمائة من مجموع عدد السجناء في تونس مدانون في جرائم مخدرات.

وثّقت هيومن رايتس ووتش ما ينتج عن انفاذ القوانين الجنائية المتعلقة بالمخدرات في تونس من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. قابلت هيومن رايتس ووتش 47 شخصا في عدة أماكن في تونس، منهم شباب يعيشون في أحياء للطبقات العاملة وطلاب وفنانون ومدونون. أبرزت المقابلات أن تنفيذ سياسات تونس المتعلقة بالمخدرات يكون مصحوبا بانتهاكات من قبيل الضرب أثناء الاعتقال والاستجواب، والتهديد والمعاملة الخشنة والمهينة من قبل الشرطة، وسوء المعاملة أثناء اختبارات البول، وتفتيش المنازل دون إذن قضائي.

بعد أن يُدان شخص ما بموجب القانون 52 ويُرسل إلى السجن، تبدأ محنة من نوع آخر. تحدث مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، في تقريره الأخير حول تونس، عن اكتظاظ كبير في السجون التونسية، وقدّر أن بعض السجون كانت تعمل بطاقة 150 بالمائة. ولذلك، يجد الشخص المدان باستهلاك جزء صغير من مادة الزطلة نفسه في زنزانة مكتظة مع سجناء مدانين بجرائم خطيرة.

تُستنفذ موارد أمنية وقضائية قيّمة للنظر في قضايا آلاف المعتقلين بسبب حيازة القنب الهندي كل سنة ـ وهي موارد يُمكن تخصيصها للتعامل مع جرائم أكثر خطورة.

ما يزيد من الجانب القمعي لقانون المخدرات هو الانتهاكات التي كثيرا ما تصاحب الاعتقالات بصفة عامة. تعطي “مجلة الإجراءات الجزائية” في تونس للشرطة سلطة تقديرية كبيرة لاعتقال الأشخاص دون وجود شُبهة معقولة لارتكابهم عملا غير قانوني. وبعد احتجازهم، لا يحق للمشتبه بهم الاتصال بمحام أثناء فترة الاحتفاظ التي يمكن ان تصل الي ستة ايام، قبل أن يُعرضوا على قاض. أثناء هذه الفترة، يكون المحتجزون معرضين بشكل كبير إلى سوء المعاملة من قبل أعوان إنفاذ القانون لأنه لا يُسمح لهم بزيارات من العائلة أو محام، بما يشمل فترة الاستجواب من قبل الشرطة.

منذ أشهر، تصاعدت دعوات منظمات المجتمع المدني ونشطاء حقوق الإنسان لمراجعة القانون 52. أثناء حملات الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2014، قال الباجي قايد السبسي، المرشح الذي فاز بعد ذلك في الانتخابات، إنه يفضل إلغاء عقوبات السجن في حالات ارتكاب الجريمة للمرة الأولى. وفي 30 ديسمبر/كانون الأول 2015، وافقت الحكومة على مشروع قانون جديد يتعلق بالمخدرات. عند كتابة هذا التقرير، لم يبدا البرلمان بعد في مناقشة مشروع القانون والتصويت عليه.

ترحب هيومن رايتس ووتش بإلغاء عقوبة السجن في القضايا المتعلقة باستهلاك أو حيازة المخدرات للمرة الأولى والثانية في مشروع القانون، وإلغاء العقوبات الإلزامية في حق العائدين، ومنح السلطة التقديرية للقاضي بفرض عقوبات أقل قسوة من السجن. كما ترحب بتركيز مشروع القانون على خدمات العلاج.

رغم هذا التحسن، مازال القانون ينطوي على بواعث قلق.

يحافظ مشروع القانون على عقوبة السجن لمدة سنة لمن يعاود استهلاك أو حيازة مادة مخدرة ممنوعة، ولذلك فهو يتجاهل الدعوات من الخبراء الدوليين في حقوق الإنسان والصحة، التي تحث الدول على إلغاء عقوبات السجن في جميع القضايا المتعلقة باستهلاك وحيازة المخدرات للاستهلاك الشخصي.

للحكومات مصلحة مشروعة في التصدي للأضرار الاجتماعية التي تسببها المخدرات، ولكن تجريم تعاطي المخدرات في حد ذاته يتعارض مع حق الشخص في الخصوصية، والمفاهيم الأساسية التي تقوم عليها استقلالية الفرد في جميع الحقوق.

قرار تعاطي المخدرات، مثل قرار استهلاك الكحول أو الدخان، مسألة اختيار شخصي وممارسة لجانب من جوانب الحق في الخصوصية المكفول في القانون الدولي، وهو جزء لا يتجزأ من احترام الاستقلالية الشخصية. يُمكن تقييد الاستقلالية الشخصية والحق في الخصوصية، ولكن القيود تكون مبررة فقط عندما تستجيب لمعايير المشروعية والتناسب والضرورة وعدم التمييز. تستوجب معايير التناسب والضرورة من الحكومات النظر في الوسائل المتاحة لتحقيق نفس الهدف بفرض أقل قيود ممكنة، أو أقل تدخل في ممارسة الفرد لحقوقه.

تعتقد هيومن رايتس ووتش أن الحجج المستخدمة في تجريم تعاطي المخدرات أو حيازتها للاستهلاك الشخصي نادرا ما تستجيب لهذه المعايير، أو ربما لا تستجيب لها أبدا. الاعتقال والسجن والسجل الجنائي، مع احتمال وجود نتائج ربما تصاحب الشخص مدى الحياة، هي ردود فعل غير متناسبة من قبل الحكومة تجاه شخص لم يفعل أي شيء سوى أنه استهلك مخدرات بغرض الترفيه.

يتضمن مشروع القانون مواد قد تنتهك الحق في حرية التعبير والخصوصية. يُضيف المشروع عقوبة جديدة تتمثل في “التحريض العلني على ارتكاب جرائم متعلقة بالمخدرات”، التي يُمكن أن تنجر عنها نصف عقوبة الجريمة الأصلية. هذه المادة الجديدة، بهذه الصياغة، يُمكن أن تُستخدم لملاحقة أعضاء منظمات المجتمع المدني المدافعين عن عدم تجريم المخدرات، ومغنيي الراب والفنانين الذين يغنّون عن المخدرات، والمنظمات التي تقدم خدمات تهدف إلى تقليص مخاطر المخدرات، وغيرهم ممن يعبرون عن أنفسهم بشكل سلمي في ما يتعلق بالمخدرات. كما وسع مشروع القانون بشكل كبير من إجراءات التحقيق الخاصة المتاحة للشرطة عند تنفيذ عمليات لمكافحة المخدرات، مثل المراقبة والتنصت على الهواتف واعتراض الاتصالات.

BACK TO TOP

التوصيات

للبرلمان

تعديل القانون 52 بإلغاء العقوبات الجنائية بسبب تعاطي أو حيازة مخدرات ترفيهية للاستهلاك الشخصي لمن يفعل ذلك للمرة الأولى أو من يعاودها على حد سواء.
في مشروع القانون المتعلق بإصلاح القانون 52، يجب التأكيد على أن جريمة التحريض العلني على ارتكاب جرائم تتعلق بالمخدرات لا تجرم النقاشات المتعلقة بالسياسة العامة للدولة في هذا المجال.
مراجعة مشروع القانون بالتأكيد على أن آليات التحقيق الخاصة، مثل المراقبة واعتراض الاتصالات، تستخدم فقط كإجراءات استثنائية لاستهداف من يُشتبه فيهم بتجارة المخدرات بشكل عام وليس مجرد المستهلكين.
مراجعة مشروع القانون بالتأكيد على أن تكون جلسات الاستماع للمشتبه بهم في جرائم مخدرات علنية، وأن يحق للقاضي إجراء جلسات مغلقة أو مقيدة فقط في الظروف الاستثنائية، التي تستوجب حماية إجراءات المحكمة والضحايا والشهود لوجود خطر قد ينجم عن الجلسات العلنية. يجب أن تكون القيود التي تفرض على الجلسات فقط للفترة الزمنية الضرورية، وألا تكون على حساب حق المتهمين في الاستماع إلى الشهود والاعتراض على الأدلة المقدمة ضدهم.
يجب أن يؤكد مشروع القانون أن الشهادات مجهولة الهوية غير مسموح بها إلا في الظروف الاستثنائية جدا، على ألا تكون الأساس الوحيد أو الحاسم في الإدانة.
التأكيد في التشريع الجديد على أن مجلس الرعاية الصحية لمستهلكي المخدرات يستطيع أن يأمر المتهمين بحيازة أو استهلاك المخدرات بحضور عدد من الاجتماعات مع أحد مزودي خدمات معالجة الإدمان على المخدرات، على أن تكون الغاية من ذلك التأكد من إطلاع الشخص على خدمات البرنامج التي تساعده على التغلب على الإدمان، والتأكد مما إذا كان يرغب في الاستفادة منها. لا يُمكن للمجلس أن يُجبر الشخص على الخضوع لعلاج إزالة الإدمان.
يجب التأكد من أن القانون المتعلق بالمخدرات لا يمنع تقديم النُصح أو المعلومات أو التوجيهات الخاصة بممارسات الاستهلاك التي تكون أكثر أمنا من قبل العاملين في مجال التوعية، ولا يمنع بيع الحقن أو التزود بها، وغيرها من المواد ذات الصلة التي يقدمها العاملون في مجال التوعية.
اقتراح تعديل مجلة الإجراءات الجزائية بالتأكيد على ضرورة وجود شبهة معقولة بارتكاب عمل جنائي حتى يتمكن عون الشرطة من اعتقال شخص ما.
تعديل مجلة الإجراءات الجزائية لضمان حق الاتصال بمحام منذ لحظة الاعتقال في جميع القضايا، وضمان الاسراع بعرض المشتبه بهم على قاض، في فترة لا تتجاوز عادة 48 ساعة. يجب أن يكون كل تأخير استثنائيا وله أسباب تبرره.
إلغاء العقوبات المتعلقة برفض الخضوع لاختبار تحليل البول من مشروع القانون.
التأكيد في مشروع القانون على أن يكون اختبار البول طوعيا فقط، وأنه يُحظر استخدام أي أدلة انتزعت بالإكراه، وأن الإكراه يشمل إعلام المشتبه بهم بأن هذا الاختبار إجباري.
فرض عقوبات على أعوان إنفاذ القانون الذين يُكرهون الناس على هذا الاختبار.
ضمان أن مركز الرعاية الصحية لمدمني المخدرات فيه خبير قانوني، وخبراء آخرون، مثل مهنيين طبيين، وأطباء نفس، وعاملين في مجال الخدمات الاجتماعية، وغيرهم من الخبراء الضروريين في مجال مكافحة الإدمان على المخدرات. كما يجب أن يكون في المركز مستهلكو مخدرات حاليون أو سابقون.
لوزارة الداخلية ووزارة العدل

اتخاذ الإجراءات التأديبية المناسبة في حق قوات الأمن العام والأعوان المسؤولين عن سوء معاملة المشتبه بهم في جرائم تتعلق بالمخدرات أثناء الاعتقال والاحتجاز.
ضمان فتح تحقيق سريع وشامل ومحايد وإجراء الملاحقات القضائية المناسبة في حق المسؤولين عن انتهاكات خطيرة ارتكبت اثناء اعتقالات تتعلق بجرائم مخدرات، بما يشمل الاحتجاز التعسفي والتعذيب والمعاملة أو العقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة، وإجبار المشتبه بهم على إجراء اختبارات البول.
لوزارة الصحة

توسيع فرص الحصول على علاج طوعي في المجتمعات المحلية مع التأكد من أنه مناسب طبيا، ويستجيب للمعايير الدولية.
توسيع فرص حصول الأطفال على علاج طوعي متوفر في المجتمعات المحلية مع التأكد من أن هذه الخدمة تراعي السن، ومناسبة وفيها عناصر تعليمية.
توسيع فرص الحصول على علاج طوعي متوفر في المجتمعات المحلية ضد الإدمان يستجيب للحاجات الخاصة للنساء والفتيات اللاتي يتعاطين المخدرات.
BACK TO TOP

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s