موسم الحشيشة في البقاع: «الزراعة ولا المذلّة»

انخفض سعر «هقة الزهرة» من 500 إلى 200 دولار بسبب إقفال بوابة سوريا (أرشيف)

مرّة جديدة، «يكافح» مزارعو البقاع لحماية موسمهم الصيفي من حشيشة الكيف. فبعد أربعة مواسم لم يطلها «التلف»، ها هم يزرعون مجدّداً آلاف الدونمات من أجل تحصيل لقمة العيش، في انتظار التفات الدولة إليهم وتنفيذ وعودها. ومرّة جديدة أيضاً، يطالبون بتشريع هذه النبتة التي تشكّل «سنداً» لهم ولعائلاتهم

رامح حمية

بودٍّ، يروي حسين (اسم مستعار) حقل مواسمه الصيفية، غير آبه بحرارة الشمس القاتلة. يصول ويجول، مراقباً قنوات توزيع المياه التي تروي مزروعاته من بطاطا وبصل… و«حشيشة».

لا يجد الرجل الثلاثيني حرجاً من زراعة الحشيشة (القنّب الهندي)، فبالنسبة له هذه الزراعة «تطعمني وأولاودي وهي أفضل من التذلّل لفلان وعلّان وأفضل من الخسارة بأنواع أخرى من المزروعات التي قد تكلّفني أرضي وبيتي»، يقول ذلك، وهو يمسح بـ«الحطاطة» (الشماغ) حبّات العرق عن جبينه.
لكن، طالما هناك زراعات أخرى من قمح وشعير وبطاطا وبصل، فلماذا الحشيشة إذاً؟ يجيب بابتسامة ساخرة «حقل الحشيشة سند ورصيد ضامن ليس لي فقط وإنّما لمئات المزارعين البقاعيين وعائلاتهم». يكمل كلامه، وهو يمسك بالشتلة الخضراء «يعني الدولة ما عم تفهم إنه نحنا مزارعين مش تجار، واللي عم يزرعها هوي الفقير اللي ما حدا سائل عنه، واللي بدو يعلّم ويربّي ويزوّج أولاده، ويلبي حاجات عائلته».
على مدى السنوات الماضية، وقف مزارعو البقاع أمام مشاكل زراعية كثيرة، تكبّدوا خلالها خسائر بفعل التراكمات من موسم لموسم، كانت الدولة خلالها غائبة عن تقديم الحلول. وهي الغائبة أصلاً عن واجبها في دعم معظم القطاعات في البقاع.
ولكن، لمزارعي القنّب الهندي في قرى وبلدات بعلبك ـ الهرمل، مع الدولة حكاية أشبه بحكاية إبريق الزيت. ملّ المزارعون وعود الأخيرة بتأمين ودعم الزراعات البديلة، التي بقيت سراباً، في الوقت الذي تمارس فيه قوّتها لإتلاف حقولهم في كل موسم.
عن العلاقة مع الدولة، يقول أبو علي، أحد مزارعي الحشيشة في السهل في غرب بعلبك، لـ«الأخبار» إنّ «وعود الدولة الكاذبة منذ عقود طويلة بشأن الزراعات البديلة لم تعد تجدي نفعاً، حتى كذّبوا علينا بعد زيارة وزير الداخلية والبلديات السابق مروان شربل لبلدة اليمونة عام 2012». يستفيض في شرح التفاصيل: «كان الوعد من 3 سنين بجلسة مجلس الوزراء مساعدة مزارعي الحشيشة بمشروع الزراعات البديلة على مدى 5 سنوات بمبلغ 35 مليار ليرة سنوياً، طيّب حدا يخبرنا وين صارو الـ35 مليار؟ ومين اخدهم؟ الحمدلله نحنا ما وصلنا شي غير رحمة الله واللي بيقول غير هيك كذاب ابن كذاب».

مواسم الحشيشة التي لم تتلف منذ 4 أعوام، أنتجت مردوداً مالياً جيداً، عرف زارعوها كيف يستغلّون ذلك، عبر بيعها «خضير» (بيعها خضراء في الحقول للتجار). وهنا، يضيف أبو علي: «إيه زرعت وبعت خضير واستغلينا كل دولار منها، يعني قدرنا حسنّا ظروفنا، سواء ببناء منازل لأولادنا وتزويجهم، وتوفير مصادر دخل جديدة لهم، من خلال مشاريع استثمارية كمحلات تجارية على الطرق العامة أو شقق سكنية بالمنطقة أو بيروت، أو شراء اراض زراعية».
هذا العام، يقدّر المزارعون مرور موسم حشيشة الكيف «من دون إتلاف»، مستندين في ذلك إلى الوضع الأمني الذي لم يختلف عن الأعوام الماضية، وإلى «رفضنا للإتلاف، ليس حبّاً بمخالفة القوانين، وإنما للدفاع عن رزقنا ولدفع الدولة إلى تصويب خياراتها ومعالجة مشاكل الزراعة وتأمين البديل لهذه الزراعة». وبانتظار ذلك، يعيش المزارعون على وقع مشاكلهم. يتطرق حسن، المزارع الخمسيني، إلى مشكلات الزراعات التقليدية «وفي مقدّمها شح المياه، الأمر الذي انعكس ارتفاعاً ملحوظاً في سعر ضمان الأرض (تأجيرها) الغنية بالمياه، وارتفاع الطلب عليها، واستغلال بعض أصحاب الأراضي لذلك، فضلاً عن ارتفاع أسعار اليد العاملة ومشاكل احتكار التجار وغياب الأسواق التصريفية في مقابل غياب دعم الدولة».
لهذه الأسباب، يلجأ مزارعو المنطقة إلى زراعة الحشيشة، لأنّ هذه النبتة، برأيهم «لا تخسر»، على عكس الزراعات التقليدية، «وخير دليل سعر كيلو البطاطا اليوم ما بيتعدى 275 ليرة في حين أن كلفته 450 ليرة»، يقول أحد المزارعين. لا يكتفي الرجل بهذا القدر من الإجابة، فيكشف أن عدداً كبيراً من المزارعين «لو ما كانوا زارعين حشيشة إلى جانب مزروعاتهم التقليدية، لكنت شفتهم عم ببيعوا بيوتهم أو أراضيهم». ويقول «لا مجال للمقارنة بين كلفة إنتاج دونم البطاطا 1000 دولار أميركي والبصل والتبغ، في مقابل كلفة دونم الحشيشة التي لا تتعدى 100 دولار، ويبيعه المزارع للتاجر “خضير” بسعر يتراوح بين 500 و1000 دولار للدونم الواحد». لا يخفي مزارع الحشيشة أن اسعار الأخيرة تراجعت خلال الأعوام الثلاثة الماضية، نتيجة التضخّم وارتفاع مساحة العقارات المزروعة بها، إلا أنّه في المقابل يرى أن بعض مزارعي الحشيشة «المخضرمين» يلجأون إلى تصنيع إنتاجهم، وتخزينه وبيعه في أوقات لاحقة بأسعار جيّدة، كاشفاً أنّ كل «دونم حشيشة يعطي ما بين قنطار ونصف (البعل أي غير المروي) إلى 5 قناطير (الدونم المروي)، حيث يعطي كل قنطار ما بين «هقّة» (وحدة وزن الحشيشة المصنّعة وهي عبارة عن ست أوقيات وربع 1250 غراماً) وثلاث هقق من الزهرة». يعني بمعادلة زراعية حسابية بسيطة، «إذا زرعت 10 دونمات حشيشة، واهتميت فيهم رح يعطوك معدل وسطي 20 قنطاراً أي ما يقارب 100 هقة حشيشة زهرة، بسعر 200$ للهقة الواحدة، يعني 20 ألف دولار». علماً أن سعر «هقة الزهرة» تدنى بشكل كبير في السنوات الأخيرة من «500$ إلى 200$»، بسبب «إقفال بوابة سوريا بفعل الأحداث الأمنية، في حين أن التهريب من الأردن إلى دول الخليج ومصر يعاني من التشديد الأميركي على مكافحة التهريب ومنعه».
عليه، يأمل مزارعو الحشيشة تشريع زراعتهم من قبل الدولة، أسوة بزراعة التبغ، التي كانت ممنوعة سابقاً. ويتساءلون: لماذا يشرّع التبغ المضر بصحة الإنسان ولا تشرّع الحشيشة التي تحوي منافع طبية وصناعية؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s