الأفيون«سنحاربهم بالأفيون»..يوم دمرت بريطانيا ملايين الشباب الصينيين

منذ أسبوع واحد، 21 يناير,2017

«أرى أن هذه الحرب شريرة إلى درجة اعتبارها خطيئة وطنية، وهي تصيبني بالأسى العميق، فهل هناك أي شيء يمكن فعله لإيقاظ عقول الناس إلى هذا الذنب المروع الذي نقترفه؟ أنا فعلًا لا أذكر أني قرأت في التاريخ كله عن حرب اشتملت على هذا القدر من الظلم والخسة مثلما اشتملت عليه هذه الحرب» *المؤرخ البريطاني «توماس أرنولد» متحدثًا عن حرب الأفيون.

منذ فجر التاريخ عرف العالم أسلحة وآلات عديدة في الحروب، فمن السهام والرماح إلى السيوف والدروع مرورًا بالمدافع والبنادق، وحتى الطائرات والقنابل والصواريخ، ومن سلاح الميدان إلى سلاح العقول، عرف البشر زرع الجواسيس والعملاء، وتمويل الأبحاث وتطويع العلم لاستخدامه في حروبهم، إلا أنّ ما فعلته بريطانيا بالصين في القرن التاسع عشر كان شيئًا غير مسبوق في تاريخ البشر!

البداية

قبل نحو 300 عام من الآن، تصاعد الدخان بشكل كثيف في عاصمة الضباب (لندن). بعد سنوات عديدة انتشر الدخان في كافة أنحاء أوروبا والعالم مؤذنًا بدخول البشرية عصر الثورة الصناعية، أكبر ثورة نقلت البشرية عبر التاريخ بعد الثورة الزراعية.

دخل عصر المولدات وما يتراكم عنها من دخان نتيجة احتراق الفحم إلى بريطانيا، فحدثت المعجزة الصناعية؛ إذ إن مولدات البخار حينها أمكنها أن تؤدي مثل قدرة 40 مليون شخص، وكان هذا أول استبدال بالإنسان الآلة الصناعية.

توسعت المدن البريطانية بشكل مطرد، وبدأت الإمبراطورية تتمدد في الصناعة، وإنشاء الجسور والسكك الحديدية، ومع هذا التوسع الهائل في التجارة والصناعة والموارد، كان لابد لبريطانيا العظمى من إيجاد سوق ترويجية لبضائعها التى كانت آخذة في النمو، ولم تجد بريطانيا أفضل من الصين، البلد الذي كان عدد سكانه آنذاك يفوق 400 مليون نسمة.

لكن الصين كانت مجتمعًا شديد الانغلاق على نفسه، ولا يرحب بالدخلاء عليه، إلا في أضيق الأحوال التي تعود على بلادها بالنفع المادي.

اتجهت بريطانيا إلى الإمبراطورية الصينية، ووجدت لدى الصينيين الكثير مما تحتاج إليه، مثل الشاي والحرير، فاستوردت كميات كبيرة منهما، ودفعت مقابل تلك البضائع أطنانًا من الفضة للصين.

زاد إقبال البريطانيين على الشاي الصيني بشكل كبير، حتى إنّ عُشر الضرائب التي كانت تجنيها الحكومة البريطانية من مواطنيها كان يأتي من استهلاك وبيع الشاي الصيني، لكن الحكومة البريطانية وجدت نفسها في أزمة كبيرة؛ إذ إن غالبية الفضة التي كانت تجنيها من ضرائب الشاي تذهب بشكل مستمر إلى الصين، وتنهال على خزائنها؛ ما حدا بالبريطانيين إلى مطالبة الصين رسميًا بفتح أسواقها على مصراعيها للبضائع البريطانية؛ حتى يكون هناك توازن تجاري بين البلدين.

«إنّ امبراطورية الصين السماوية لديها ما تحتاجه من السلع..وليست في حاجة لاستيراد سلع أخرى من البرابرة»

كان هذا ردّ الإمبراطور الصينيّ على طلب الحكومة البريطانية، ولو أنه علم ما سيحدث بعدها لمواطني بلده ربما لما جرؤ على هذا الرد أبدًا.

الفضة مقابل الأفيون

لا يعلم أحد على وجه الدقة من صاحب العقل الشيطانيّ داخل بريطانيا الذي فكر في توريد الأفيون إلى الصين وبيعه مقابل الحصول على الفضة، إلا أن فكرته قوبلت بالتأييد على الفور من الحكومة، فأمرت شركة الهند الشرقية بزراعة الأفيون على نطاق واسع في كافة أنحاء الهند، ومن ثمّ توريده للصين.

وصلت أول شحنة من الأفيون إلى مرفأ «كانتون» الصيني عام 1781، وبدأ الشباب الصينيّ في تجربة هذا المخدر الجديد، وبذكاء بالغ قامت بريطانيا برشوة المسؤولين عن المرفأ مقابل إدخال المزيد والمزيد من صناديق الأفيون، والتي كان يقوم ببيعها مندوبون من شركة «الهند الشرقية» للشباب الصيني مقابل الفضة.

بحلول عشرينات القرن التاسع عشر بدأت أطنان الفضة الصينية تنهال على خزينة بريطانيا العظمى؛ نتيجة بيع الأفيون، وازدياد عدد المدمنين الصينيين له، وما أخذته الصين قبل ذلك من الفضة البريطانية باليمين، دفعه شبابها من صحتهم وعقولهم باليسار، وبلغ عدد المدمنين عام 1838 أكثر من 12 مليون مدمن.

بدأت الأمور تزداد سوءًا داخل الصين، وانتشر الأفيون على نطاق واسع وبدأت الصناعة الصينية تنهار؛ نتيجة ازدياد الفقر والإدمان، واكتشف الصينيون أن كبيرهم وصغيرهم صاروا مدمنين للأفيون؛ ما جعل المجتمع الصيني على حافة الانهيار، كل هذا ولم يطرف لأحد في الحكومة البريطانية جفن، فاستمر تدفق الأفيون على الأسواق، لدرجة أن بلغ في أحد الأعوام 272 طن في 4000 صندوق، وكأن بريطانيا تنتقم بطريقتها الخاصة من رفض الإمبراطور الصيني لبضائعها.

أدرك الإمبراطور الصيني خطورة المسألة فأصدر عام 1829 قرارًا بحظر كافة أنواع تجارة الأفيون، وأمر بإعدام أي صيني يثبت تورطه في هذه التجارة، لكن البريطانيين لم يكن يثنيهم شيء، فازدادت الرشوة على مرفأ «كانتون» ومعها ازدادت واردات الأفيون إلى الصين.

حرب الأفيون الأولى

في عام 1838 وبعد أن فقد الإمبراطور الثقة في كافة القائمين على مرفأ «كانتون»، أرسل أحد أقرب رجاله، وأكثرهم شجاعة، «لين» إلى المرفأ؛ ليقوم بعملية تطهير واسعة للمرفأ من الأفيون البريطاني.

بالفعل وصل «لين» بجنوده إلى المرفأ، وهناك قام بعمليات تفتيش كبيرة؛ أعدم على إثرها بالخنق أي صيني يثبت تورطه في هذه التجارة، وطالب مندوبي شركة الهند الشرقية بتسليم كافة الصناديق التي كانت بحوزتهم، إلا أن طلبه قوبل بالرفض؛ فاضطر لمحاصرة المرفأ، وأمر جنوده بعدم السماح بإدخال أي طعام أو شراب، وبدق النواقيس طوال الليل؛ حتى لا ينام المندوبون البريطانيون المحاصرون داخل المرفأ.

بعد أقل من 24 ساعة استسلم المندوبون، وسلّموا صناديقهم إلى «لين»، وكان عددها 21 ألف صندوق من الأفيون، جمعهم «لين» في ساحة كبيرة، وأمر بإحراقهم جميعًا في حفل كبير أقامه مناهضو تجارة الأفيون في الصين.

21 ألف صندوق من الأفيون أحرقها «لين» كانت تعادل 160 مليون دولار بمقاييس هذا العصر؛ ما مثّل خسارة فادحة لبريطانيا؛ فقامت في نوفمبر (تشرين الثاني) 1838 بأول حرب في التاريخ من أجل الأفيون، وأرسلت 40 سفينة مسلحة بالعتاد والرجال إلى الشواطئ الصينية، وبدأت بمهاجمة المدن والموانئ الصينية، وكانت الحجة الرسمية للحرب فتح سوق للتجارة الحرة، والانتقام من سوء تعامل الصينيين مع ممثلي بريطانيا.

أُقيل الضابط «لين»، وعُين مكانه ضابط ذو سمعة غير طيبة، باع مرفأ «كانتون» للبريطانيين مقابل ملايين من الفضة، ومن هنا بدأت القوات البريطانية تتدخل وتتوسع شيئًا فشيئًا داخل الصين.

استمرت الحرب عامين وبضعة أشهر حتى عام 1842 ونتيجة لفقر العتاد والسلاح لدى الصينيين استولت بريطانيا بعد مقاومة شديدة على مدينة «دينغ هاي» في الصين، وأصبحت على حواف «بكين»؛ فاضطر الإمبراطور إلى توقيع اتفاقية «نان جنغ» عام 1842.

مقطع مبسط بالصور المتحركة عن حرب الأفيون الأولى

اتفاقية مذلة

لا يمكن توصيف ما حدث عام 1842 إلا بالذل، فقد وقع الإمبراطور بنفسه على اتفاقية تنص على دفع بلاده تعويضات لبريطانيا عن أطنان الأفيون التي أحرقها «لين»، فدفعت تسعة ملايين دولار، ونصت أيضًا الاتفاقية على التنازل عن «هونغ كونغ» لتصبح مستعمرة بريطانية، بالإضافة إلى إجبار الصين على استيراد 5% من الصادرات البريطانية، وتخفيض الجمارك المفروضة على تلك البضائع، وفتح خمس موانئ للتجارة مع الغرب بدلًا من ميناء واحد، وفرض حصانة إجبارية على العاملين الأجانب داخل الصين تحميهم من المحاسبة القانونية، ولم تكتف بريطانيا وحدها بإذلال الصين؛ فدخلت أمريكا وفرنسا على الخط، مطالبين بتسهيلات مماثلة، ومهديين باستخدام القوة حال لم تنفذ الصين مطالبهم؛ فاضطرت إلى التسليم لهم أيضًا.

حرب الأفيون الثانية

لم تؤت اتفاقية «نان جنغ» ثمارها كاملة بالنسبة لبريطانيا؛ فالحظر على الأفيون لم يزل مستمرًا، والإمبراطور بدأ في تثبيت دعائم قوته وتسليح جيشه، فانتظرت بريطانيا أية حجة جديدة للدخول في معركة أخرى مع الصين، وهو ما تسنى لها بالفعل بعد 14 عامًا من الحرب الأولى، وبالتحديد يوم الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1856 حين قامت البحرية الصينية باعتراض سفينة بريطانية اشتبهت في قيامها بعمليات تهريب وقرصنة.

هذه التهم لم ترُق بالطبع للحكومة البريطانية ولم تعترف بها، فأمرت الصين بإطلاق سراح السفينة على الفور، وإلا تعرضت للعقوبة، ولكن الإمبراطور الجديد للصين لم يستجب هذه المرة، بل قام بإعدام مبشر مسيحي ألقى رجاله القبض عليه؛ ما أثار غضب فرنسا أيضًا، وباقي الدول الأوروبية، والتي كانت تتخذ من المسيحية ديانة لها.

وجدت بريطانيا في حادثتي السفينة والإعدام وسيلة مُثلى لتلقين الصينيين درسًا آخر فأرسلت عام 1857 قواتها مرة أخرى إلى الصين ومدعومة هذه المرة بالقوات الفرنسية.

سرعان ما مالت الكفة نحو القوات البريطانية والفرنسية، واستولت على أجزاء كبيرة من الصين، حتى انتهت الحرب عام 1858 بانتصار كاسح للبريطانيين، بالرغم من كل ما لاقوه من مقاومة شعبية صينية.

اضطر الإمبراطور الجديد إلى توقيع اتفاقية «تيانجين» التي نصت على فتح 11 ميناء للتجارة مع الغرب، وفرض مزيد من التسهيلات على الواردات البريطانية للصين.

ماطلت الصين في تنفيذ بنود الاتفاقية؛ فقامت بريطانيا بمعاودة احتلال البلاد، ووصلت عام 1860 إلى القصر الصيفي للإمبراطور، وانتشرت عمليات السلب والنهب وعمت الفوضى أرجاء الصين؛ فاستسلم الإمبراطور تمامًا هذه المرة، وقام بتعويض البريطانيين والفرنسيين، وفتح مزيد من الموانئ، بالإضافة إلى السماح بالتبشير داخل الصين.

وسطر التاريخ في في صفحة الحروب البريطانية على الصين واحدة من أبشع الحروب الاستعمارية في نظر الكثيرين، التي أنهضت الاقتصاد الأوروبي على أنقاض المجتمعات الأخرى.

عندما تقرأ هذا المقال تتسال ماذا لو ان امبراطور الصين قبل بتلبية رغبات شعبه وسمح لهم بزراعة الافيون بدلا من حظره . ولدية الارض الكافية . الا يكون بذلك قد اتى على رضا شعبه وحافظ على مدخرات بلاده من الفضة . ما الفرق بين ان يزرح على حدود بلادك او ان تزرعه انت داخل بلادك . اليس في سياسات الحظر والمنع على الشعوب مخاطرة . الافيون لم يتوقف تدفقه رغم الحظر . بل وصار بسعر اكثر واستنزف من مدخرات الفضة الصينية  اكثر . وكان يمكن ان يكون مصدرا للافيون المدر للفضة . طالما صار سلعة العصر وقوت الشعب .

وبالمثل . مع فارق الخطورة بين الافيون والماريجوانا وان كان كلاهما شجرة طبيعية لم تخلق عبثا . الا ان الافيون قابل للدخول في مستحضرات كيماوري فائقة الخطورة . ولكن الاهم . ما الفرق بين ان تزرع الماريجوانا ببلدان كالمغرب والجزائر ولبنان وسوريا ودول افريقيا واسرائيل . فيما دول العربان الاخرى تكتظ سجونها بمتعاطين . وتكلف نفسها الاموال الباهضة في حربها ضد تدفق قوت الشعوب للعلاج من الاستبداد الدائم . الماريجوان ليست بهذه الخطورة مجرد انها وقعت ضحية تاريخية لعصابات الصناعات المختلفة من الادوية الى البلاستيكية . فهل سيعي حكام العربان صعوبة الموقف ويفرجون عن مئات الالوف من الشباب المحتجزين بسجونهم . لكنهم فيما يبدو وجدوا في تجريمها مدخلا اخر لحماية عروشهم . ففي مصر وحدها 300 الف سجين منهم نشطاء راي وفي السجلات قضيتهم تعاطي الماريجوانا .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s