مصر وتاريخ الحشيش

صح القول إن «الحشيش» جزء لا يتجزأ من تاريخ المصريين، وصح أيضًا  إنه مكون أساسى من مكونات حاضر الكثيرين منهم .
المشايخ هم السر فى اكتشاف الحشيش. يروى «المقريزى» فى خططه حكاية لطيفة عن طريقة اكتشاف الحشيش على يد شيخ الشيوخ «حيدر». يقول «المقريزى»: «قال الحسن بن محمد فى كتاب السوانح الأدبية فى مدائح القنبية‏:‏ سألت الشيخ جعفر بن محمد الشيرازى الحيدرى ببلدة تستر فى سنة ثمانى وخمسين وستمائة عن السبب فى الوقوف على هذا العقار، ووصوله إلى الفقراء خاصة وتعدّيه إلى العوام عامة، فذكر لى أن شيخه شيخ الشيوخ حيدر، رحمه الله، كان كثير الرياضة والمجاهدة قليل الاستعمال للغذاء قد فاق فى الزهادة وبرز فى العبادة، وكان مولده ببلاد خراسان ومقامه بجبل بين نشاور ومارماه، وكان قد اتخذ بهذا الجبل زاوية، وفى صحبته جماعة من الفقراء، وانقطع فى موضع منها، ومكث بها أكثر من عشر سنين، لا يخرج منها ولا يدخل عليه أحد غيرى للقيام بخدمته‏. قال‏:‏ ثم إن الشيخ طلع ذات يوم، وقد اشتدّ الحرّ وقت القائلة منفردًا بنفسه إلى الصحراء ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وسرور بخلاف ما كنا نعهده من حاله قبل، وأذن لأصحابه فى الدخول عليه وأخذ يحادثهم، فلما رأينا الشيخ على هذه الحالة من المؤانسة بعد إقامته تلك المدّة الطويلة فى الخلوة والعزلة سألناه عن ذلك، فقال‏:‏ بينما أنا فى خلوتى إذ خطر ببالى الخروج إلى الصحراء منفردًا فخرجت فوجدت كل شىء من النبات ساكنًا لا يتحرك لعدم الريح وشدّة القيظ، ومررت بنبات له ورق فرأيته فى تلك الحال يميل بلطف ويتحرّك من غير عنف كالثمل النشوان فجعلت أقطف منه أوراقًا وآكلها فحدث عندى الارتياح ما شاهدتموه، وقوموا بنا حتى أوقفكم عليه لتعرفوا شكله‏».

 واضح أن كلمة «القنبية» مرادف لكلمة «الحشاشين» أو متعاطى نبات «القنب» أى «الحشيش»، وقد تم اكتشافه على يد أحد العباد الزهاد، كما يحكى «المقريزى»، ‏وهو أمر يمنحك إشارة مبدئية – من جانب كتاب التراث – إلى أن تعاطى الحشيش لا يتناقض مع فكرة الإيمان والزهد والنشاط فى العبادة، بل يؤدى إلى اعتدال المزاج الذى تعكر، والعودة إلى حالة الزهادة والعبادة من جديد، كما حدث مع الشيخ «حيدر» الذى أصابته نشوة أخرجته من حالة الخمول والضيق اللذين كان يشعر بهما، بسبب ارتفاع درجة الحرارة، وأخذ يتمايل كما يتمايل نبات «القنب» الذى اكتشفه، ثم اصطحب أتباعه بعد ذلك لينالوا حظًا مما نال. والشاهد فى الفقرة السابقة أن حديث كتب التراث عن «الحشيش» تحتشد بالمديح، أو قل هى أشبه بالإعلانات غير المدفوعة التى تهدف إلى الترويج والتسويق لهذا المخدر الذى نظر إليه الشيخ حيدر كثروة وسر لا ينبغى أن يطلع عليه أى شخص من جانب مريديه، اللهم إلا الفقراء، الذين وجد أنهم بحاجة إلى تعاطى «الحشيش، وقال لهم: «إن الله تعالى قد خصكم بسرّ هذا الورق ليُذهِبَ بأكله همومكم الكثيفة، ويجلو بفعله أفكاركم الشريفة فراقبوه فيما أودعكم وراعوا فيما استرعاكم»‏.‏

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s